website-design



مدينة أفلاطون الفاضلة هل هي حقا كذلك؟

مدينة أفلاطون الفاضلة هل هي حقا كذلك؟

Spread the love

حكم عسكري وتبادل زوجات وسيطرة الدولة على اختيار الزوجة! ليس هذا من فيلم سينمائي حائز عدة جوائز أوسكار، بل من كتاب عن مفهوم «المدينة الفاضلة» لأحد أشهر الفلاسفة في التاريخ، فعندما كتب الفارابي عن أفكاره حول المدينة والحياة المثاليتين في كتابه الشهير «آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها» في النصف الأول من القرن العاشر، لم يكن في الحقيقة يكتب شيئا جديدا، حيث أن أول من كتب عن ذلك من الفلاسفة كان الإغريقي أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد.
ولا غرابة في هذا، فقد عُرِفَ «الفارابي» بإعجابه الشديد بالفلاسفة الإغريق، لاسيما أفلاطون. وكان أفلاطون قد كتب عن هذا المفهوم في كتابه الأشهر «الجمهورية» الذي يعتبره الفلاسفة أكثر الكتب تأثيرا في عالمي الفلسفة والسياسة. وللكتب الشهيرة مكانة خاصة لدى العلماء، لأنها لا تكشف عن أفكار المؤلف وحسب، بل كذلك عن أفكار الطبقة المثقفة، التي لقي الكتاب رواجا هائلا في أوساطها، فلا يمكن أن يشتهر الكتاب إذا لم يرضِ أفكار عدد كبير من القراء.
ومن المهم توضيح أن الطبقة المثقفة كانت تُكَوّنُ أقلية صغيرة جدا في المجتمع الإغريقي آنذاك، حيث كان أغلب الإغريق وسكان العالم في تلك الفترة أميين.
لا تعطي القراءة المتعمقة لكتاب «الجمهورية» الكثير من الأجوبة، بل عددا هائلا من التساؤلات، فقد ادعى أفلاطون، أن كل ما قيل في الكتاب كان مناقشة مطولة بين الفيلسوف سقراط، وبعض مثقفي عصره في مدينة «أثينا» وليس هذا غريبا، حيث يعتبر الفلاسفة، أن الفلسفة هي اكتشاف الأشياء عن طريق الجدال والنقاش. وبذلك، فإن على منتقدي الكتاب أن يوجهوا انتقاداتهم لسقراط، أما أفلاطون فليس سوى ناقل أمين للأحداث، وإذا كان هذا صحيحا، فقد كانت لدى أفلاطون ذاكرة غير عادية، إذ يتكون الكتاب من عشرة أجزاء ضخمة. وعلى الرغم من أن الكتاب قد كُتِبَ عام ثلاثمئة وخمسة وسبعين قبل الميلاد، فإن ذلك النقاش الطويل حدث قبل ذلك، وأثناء الحرب الطاحنة التي خاضتها مدينة أثينا ضد مدينة سبارطة، فهل كان لدى الشخصيات الأثينية الوقت والرفاه للمناقشات النظرية الطويلة في ظل هذه الظروف الخطيرة؟

تركيب مجتمع المدينة الفاضلة لأفلاطون

من ميزات الكتاب، أن أفلاطون قسّم المجتمع إلى ثلاثة أقسام، وهم الأوصياء والمنتجون والمساعدون.
الأوصياء: فئة صغيرة من الملوك الفلاسفة الذين يحكمون المجتمع، لكن الأمر لا ينتهي هنا، حيث ذكر أفلاطون أنهم يشتركون في الزوجات والأطفال! ومن غير المسموح لهم أن تكون لهم أي ملكية خاصة، إلا أقل القليل، لكنهم يتلقون تعليما مكثفا يستغرق عقودا، ويشمل هذا التمارين الرياضية أيضا. وهم الوحيدون الذين يمتلكون كل المعرفة، وطالما أن الإنسان المتعلم، بالنسبة لأفلاطون» لا يحتاج إلى قانون ليسيطر على تصرفاته لأنها قانونية وأخلاقية بشكل تلقائي، فلا يوجد قانون يقيد الأوصياء، أي أن سلطات الأوصياء غير محدودة. ولا يذكر أفلاطون من يقوم بعملية تعليم الأوصياء لكنه يعطي تلميحا عن كيفية اختيارهم، حيث تقوم الآلهة باختيارهم من أوساط طبقة أخرى، هي طبقة المساعدين. وإذا رفض أحد الأوصياء هذا الاختيار لتولي منصبه، فإنه يجبر على ذلك، أي أن الرجل يصبح وصيا سواء أراد أم أبى. ولمساعدة الأوصياء على الحكم والسيطرة على بقية المجتمع تُقَدّم في أوساط المجتمع فكرة كاذبة تُفرَض على الجميع، على أساس انها حقيقية لجعل نفوسهم خاضعة لحكم الأوصياء وتجعل حكمهم شرعيا ومقبولا.
المساعدون: هم طبقة الجنود الذين يحافظون على السلم والدولة.. وبعبارة أخرى إنهم الأجهزة الأمنية التي تفرض حكم الأوصياء على الشعب بقوة السلاح، كما تحمي المجتمع من الأعداء الخارجيين، ومن هذه الطبقة يتم اختيار الأوصياء.
المنتجون: تُكَوّن هذه الطبقة الغالبية في المجتمع، وتتكون من جميع ممارسي المهن المدنية، مثل الحدادين والمزارعين والقضاة والخدم غيرهم. ويعتبر أفلاطون أن مهنة كل فرد في هذه الفئة تُحَدّدها له طبيعته، ولا يُسمَح لأي منهم بتعلم أي شيء آخر، أي أن الحداد مثلا يولد ويموت حدادا. ولا يعرف أيٌّ من أفراد هذه الطبقة أيَّ شيء سوى ما له علاقة مباشرة به، وبالتالي فإنه لا يعرف شيئا عن أي علم بعيد عن مهنته وشخصه بشكل عام، أو سياسة الأوصياء، فمثل هذه المعرفة لا يمتلكها سوى الأوصياء.

تحليل الكتاب

يثير أفلاطون الدهشة في جميع ما ذكره في الكتاب، فطبقة الأوصياء تتكون من فلاسفة رياضيين من خلفية عسكرية وذوي سلطة ومعرفة مطلقتين، وفُرِضَ عليهم تبادل الزوجات، والزوجات لا رأي لهن في عملية المشاركة، وتعد هذه إهانة للمرأة. والسؤال هنا «هل كان أفلاطون يكتب عن أمنياته الشخصية، وهو الذي يعتبر من أعظم الفلاسفة في التاريخ؟». الجواب الأرجح هو نعم، لأن أفلاطون لم يكن أشهر فيلسوف في اليونان في عهده وحسب، بل كان رياضيا ومصارعا بارزا في شبابه ومن خلفية عسكرية، وكان معلمه في شبابه الفيلسوف الإغريقي الأكبر سقراط. ومن الجدير بالذكر أن أفلاطون كان من عائلة ارستقراطية قوية العلاقة بالحكم. لكن فكرة أفلاطون حول إجبار فرد من طبقة المساعدين على الارتقاء إلى طبقة الأوصياء بالقوة تثير الاستغراب، لأنها تعني إجبار الإنسان على أن يكون مطلق السلطة، ما يولّد تناقضا واضحا يذكرنا بمقولة شهيرة ناقضت نفسها بالطريقة نفسها للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، مفادها أن الإنسان يجب أن يُجبَر على أن يكون حرا!

على الرغم من تأكيد أفلاطون على تمتع الأوصياء بحرية تبادل الزوجات، فإنه لا يشترط أن يكون جميع الأوصياء رجالا، وفي هذه الحالة قد يتساءل البعض عن موقف النساء من الأوصياء. وكانت آراؤه معاكسة تماما بالنسبة لبقية أفراد المجتمع، حيث يُمنَع عليهم الجنس تماما إلا عن طريق الزواج. لكن هؤلاء لا يملكون حق اختيار زوجاتهم، إذ تقوم الدولة بذلك بطريقة مخادعة، فهي من يختار الزوجة المناسبة لكل رجل، حسب معايير تحددها الدولة، ولا يتوقف دور الدولة بهذا الاختيار، حيث إنها تحدد النسل كذلك، دون أن يشعر أفراد المجتمع بأن الدولة تتلاعب بهم. وإذا أضفنا إلى ذلك اعتقاد أفلاطون بأن طبيعة الإنسان، أي جيناته باللغة الحديثة، تحدد مهنته ومصيره، فإن الإنسان بالنسبة له لا خيار لديه في الحياة في أي شكل كان، بل إنه عبارة عن أداة تكونها الدولة حسب معاييرها وموجودة لخدمتها منذ مولده، الذي تحدده الدولة، وحتى وفاته، ويعيش مؤمنا بفكرة كاذبة تفرضها الدولة عليه لخداعه وسلبه إرادته المستقلة. أما من لا يؤيد أفكار أفلاطون، فهو شرير حقود يجب محاربته بجميع الأساليب. ويذكرنا هذا بالأنواع المختلفة من الأفكار العنصرية التي بدأت بتشويه الحضارة البشرية في العصور الحديثة.
ذكر أفلاطون أن الأفكار المطروحة في كتابه، تضمن العدالة والسعادة للجميع، لكنه في هذه الحالة كان عليه تعريف هاتين الكلمتين، فمن الواضح أن ما يعتبره عدالة وسعادة غير واقعي. والسؤال هنا أيضا لمن هذه السعادة والعدالة بالضبط؟ فكل من في هذا المجتمع يعاني، إلا إذا جعل أغلب أفراد المجتمع يعيشون خديعة نوع من السعادة والعدل. أما الأوصياء فإن إجبارهم على تولي مناصبهم وفرض المشاركة في الزوجات عليهم، لا يحقق أي سعادة لهم. وحتى الفرضيات الكثيرة التي يذكرها الكتاب، مثل الاعتقاد بأن الإنسان الذي يمتلك مبادئ يكون سعيدا، وأن الإنسان المتعلم يتصرف بشكل تلقائي حسب القانون والأخلاق، لا علاقة لها بالواقع.

شخصية سقراط

من الجوانب الغامضة في كتاب «الجمهورية» طريقة وصف أفلاطون لمعلمه الفيلسوف سقراط، فإذا كان سقراط مصدر كل ما ذكر في الكتاب، فهو يكره الشعراء وحرية التعبير ويؤمن بدولة الطغيان، بينما تذكر مصادر أخرى، منها أفلاطون نفسه، أن سقراط كان شاعرا ومؤيدا للحرية الشخصية، حتى إنه ضحى بحياته من أجل هذه المبادئ. والغريب في الأمر كذلك أن سقراط يحاول في الكتاب الإطالة في النقاش، دون أن يكون هدفه الكشف عن الحقيقة، بل الانتصار على خصومه في هذا النقاش، فهل هذا تصرف فيلسوف كبير صادق؟ والجدير بالذكر أن مصادر أخرى تؤكد أن سقراط هو من وضع أسس النقاش المتحضر، الذي يعتمد على الإقناع بشكل ودي ومنطقي. والطريقة الوحيدة لحل هذا الغموض، أن سقراط كان عديم العلاقة بالكتاب، وأن جميع ما ذكر فيه كان في الواقع من بنات أفكار أفلاطون نفسه، الذي استعمل اسم معلمه القديم كوسيلة لتعليل أفكاره للقارئ.. وكان من المستحيل على سقراط أن ينفي ذلك لوفاته قبل صدور الكتاب.

شخصية أفلاطون

يبين الكتاب بوضوح أن أفلاطون كان رجلا حقودا وكارها للسلطة الحاكمة في زمنه، لأنها لم تتكون من فلاسفة «مثله». ومن الواضح أنه كان يعتبر نفسه الشخص الوحيد المؤهل لحكم أثينا على رأس طبقة حاكمة متكونة من الفلاسفة، فهو «الملك ـ الفيلسوف» الذي يتربع على قمة السلطة وعالم الفلسفة.

المفهوم العالمي لـ «المدينة الفاضلة»

اشتهر مفهوم «المدينة الفاضلة» في الحضارة الغربية باسم «يوتوبيا» Utopia، وهي كلمة مأخوذة من عنوان كتاب شهير عن هذا المفهوم نُشِرَ عام 1516 للكاتب البريطاني توماس مور عن مدينة مثالية وخيالية في إحدى جزر أمريكا الشمالية. وقد اقتبست هذه الكلمة من كلمتين من اللغة الإغريقية القديمة وتعني «لا مكان» إشارة إلى كون القصة خيالية تماما. والاحتمال الأقوى أن المفهوم قد ظهر قبل أفلاطون، لكنه كان أول من كتب عنه، فجميع الأديان والأفكار السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية توعد المؤمنين بها بـ»المدينة الفاضلة». ولذلك استمر هذا المفهوم حيا بقوة في مخيلة عدد هائل من الناس إلى يومنا هذا. وحدثت عدة محاولات من قبل تنظيمات دينية وسياسية، لاسيما الشيوعية، لإقامة مستوطنات مثالية، إلا أن مصير جميعها كان الفشل. وقد اصبحت كلمة «يوتوبيا» في اللغة الإنكليزية تدل على ما هو مثالي، لكن غير قابل للتطبيق العملي، أي أنها الآن كلمة تشير إلى ما هوعديم الصلة بالواقع. أما بالنسبة لمفهوم أفلاطون، فقد يكون من الخطأ تسميته بـ«اليوتوبيا» بل بـ«أبوريا» التي تعني «اليأس» في اللغة الإغريقية القديمة.
إذا كان كتاب «الجمهورية» لأفلاطون، أحد أكثر الكتب تأثيرا في الحياة السياسية، كما يدعي الكثيرون، فأي نوع من التأثير هذا؟ هل نعيش في عالم تسيطر عليه عقيدة كاذبة فُرِضَت علينا لسلبنا إرادتنا وجعلنا ننصاع لحكومة ما؟ وعلى الرغم من اعتبار سقراط وأفلاطون وأرسطو اشهر فلاسفة في التاريخ، وقد نُشِرَت عنهم آلاف الكتب وأطروحات الدكتوراه، فإننا في الواقع بالكاد نعرف أي شيء عنهم، ما يجعل تنسيب أفكار أو مقولات إليهم سهلا، بالإضافة إلى حماس المؤيدين لهم لتضخيم تأثيرهم. وينطبق هذا على الكثير من الشخصيات التاريخية.

مؤرخ وباحث من العراق